سيد محمد طنطاوي
38
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( وكِتابٍ مَسْطُورٍ ) * أي مكتوب متسق الكتابة ، منتظم الحروف ، مرتب المعاني ، فالمراد بالكتاب : المكتوب . وبالمسطور : الذي سطرت حروفه وكلماته تسطيرا جميلا حسنا . والأظهر أن المقصود به القرآن الكريم ، لأن اللَّه - تعالى - قد أقسم به كثيرا ، ومن ذلك قوله - سبحانه - حم والْكِتابِ الْمُبِينِ يس والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . وقيل : المقصود به : جنس الكتب السماوية المنزلة . وقيل : صحائف الأعمال . قال الآلوسي : قوله : * ( وكِتابٍ مَسْطُورٍ ) * أي : مكتوب على وجه الانتظام ، فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة . والمراد به على ما قال الفراء : الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال ، ويعطاه العبد يوم القيامة بيمينه أو بشماله ، وقال الكلبي : هو التوراة . وقيل : القرآن الكريم وقيل : اللوح المحفوظ « 1 » . وقوله : في * ( رَقٍّ مَنْشُورٍ ) * متعلق بمسطور . أي : مسطور في رق . والرق - بالفتح - كل ما يكتب فيه من ألواح وغيرها . وأصله : الجلد الرقيق الذي يكتب عليه . والمنشور : المبسوط ، ومنه قوله - تعالى - : ونُخْرِجُ لَه يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاه مَنْشُوراً . أي : أن هذا الكتاب المسطور ، كائن في صحائف مبسوطة ظاهرة لكل من ينظر إليها . وقوله : * ( والْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) * هو بيت في السماء السابعة تطوف به الملائكة بأمر اللَّه - تعالى - . قال ابن كثير : ثبت في الصحيحين أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال في حديث الإسراء والمعراج ، بعد مجاوزته إلى السماء السابعة : « ثم رفع بي إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا من الملائكة » « 2 » . وقيل المراد بالبيت المعمور هنا : البيت الحرام ، وسمى بذلك لأنه معمور بالحجاج والعمار ، * ( والسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) * ، أي : والسماء المرفوعة ، وسميت سقفا لكونها بمثابة السقف للأرض كما قال - تعالى - وجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ . * ( والْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) * أي : المملوء بالماء ، يقال ، سجر فلان الحوض إذا ملأه بالماء . أو المسجور : بمعنى : المملوء بالنار من السّجر ، وهو إيقاد النار في التنور ، ومنه قوله - تعالى - : . . . ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 27 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 403 .